صعدت الاتوبيس بعدما
جريت وراءه مسافة كبيرة .. انها ليست محطة رسمية كى يقف .. لكن اصرارى على اللحاق
به جعلنى استغل الزحام المرورى بعض الشئ للوصول اليه. قطعت التذكرة
لاهثا .. اخذا فى سلك طريقى بطرقة الاتوبيس المزدحمة بالركاب . استقريت امام احد
الكراسى الفردية الواقعة خلف السائق ، كان يجلس على ذلك الكرسى رجل عجوز غارقا فى
النوم ، المحطات تتوالى ببطء ، احساس يعتقلنى وهو شعورى الرهيب بالاجهاد ، فانا فى
حاجة الى الجلوس ، نظرت حولى وجدت جميع الكراسى ممتلئة .. اتجهت بنظرى الى خارج
شباك الحافلة .. سرحت فى المجهود الذى سوف ابذلة فى عملى المتوجة اليه توا . افقت على حركة
خاطفة من شخص بجوارى للحاق بكرسى خلى لتوه .. نظرت له .. وجدت على وجهه علامات
الراحة فتزايد علىًّ التعب .. نقلت ارتكازى من على قدمى اليمنى الى اليسرى .. نعت
حظى قائلا : آه لو كنت مكانك .. حظوظ . عاودت النظر من
النافذة .. يسرقنى الاسترخاء المرسوم على وجة فتاه تقل عربة (جيب) اخر موديل ..
جميع نوافذها مغلقة لتفصلها عن العام بما فيه من زحام و ضجيج ومتاعب افيق على ربكة
تحدث فى الاتوبيس لنزول بعض الركاب وجلوس اخرين اماكنهم .. انظر الى الجلوس متفحصا
وجوههم وحركاتهم ربما استطيع معرفة ان احدهم ينوى الرحيل فاجلس مكانة ، ولكن .. لم
يتحرك احد. على بعد كراسى اربع
من موقعى خلى كرسى – كخلو طرقة الاتوبيس- كان بعيدا عن الكرسى يقف شاب يرمق الكرسى
مثلما انا فاعل ، رغم بعده عنه الا انه اقرب لذلك الكرسى منى .. استطيع الفوز به
اذا وثبت نحوه – مثلما يحدث عادة على الكراسى الخالية من قبل الركاب – الا ان
كبريائى منعنى من هذه الفعلة . نظرت من النافذة
لاحظت ان الاتوبيس متوقف عن السير ، حيث الاشارة . وقع نظرى على رجل فى
الاربيعينيات من العمر يرتدى ملابس متسخة للغاية .. شعرة منكوش .. هيئتة كرجال
العصر الحجرى الذين لا يعرفون النظافة بالارادة انما يفعلة بهم المطر عنوه .. كان
هذا الرجل يفترش (كرتونة) فوق الرصيف ونائم عليها ..، شعرت بالتعب اكثر
واكثر .. كما لو ان جسدى النحيل اصبح جبلا يقف على قشتين عنيدتين . لم اشتهى
الاسترخاء و الراحة بقدر ما اشتهيت بنظرى الى وجه الرجل العجوز الجالس امامى, انه
يغص فى نوم عميق .. وقد انفصل عن العالم .. عجبت من تلك الراحة التى يشعر بها . راحته تزيد تعبى
.. وتزيد حقدى وكرهى له .. انه عدوى .. انه يقف حائلا بين الراحة وبينى .. لو غادر
الاتوبيس لانتهى كل شئ وسوف انساه وانسى تعبى ، لكن هو الذى اختار عذابى فاخترت
كرهه . الطريق يطول و
الرجل مستغرقا فى النوم .. واحتمالى مستغرقا فى النفاذ ، لدرجة انى اخشى ان اثور
عليه لافيقة واجلس مكانهُ بالقوة . لم تعد قدمى تستطيع حملى ، مع شعورى بان وسطى قد
انكسر .. حمّلت بذراعى على يدا الكرسى الذى اقف امامه ..تخفيفا من وزنى على قدمى . جاء ببالى خاطرة
ان افيقه ربما تكون محطته قد فاتت وهو لا يدرى .. شجعت الفكره .. اتجهت يدى نحو
الرجل لتوقظة الا انى عدلت عن الفكرة فى اللحظة الاخيرة ، فبداخلى معلم فظ منعنى
من هذه الفعلة ، داعيا ان تكون محطتة قد فاتت بالفعل كنوع من العقاب .. حتى لا
ينام مره اخرى فى الاتوبيس .. فالمواصلات لم تخلق للنوم ، ونعت هذا المعلم حظه
قائلا : ليتنى كنت مكانك . وصل الاتوبيس
محطته الاخيرة .. الجميع غادره .. منظر الكراسى وهى خاليه يجعلنى اشعر بالفانتازيا
.. كل الكراسى خاليه ولازلت اشعر بالتعب ولا استطيع الجلوس . ابتسمت .. ولكن لم
تدم ابتسامتى طويلا .. حيث قطعها صوت الكمسرى وهو يوقظ الرجل العجوز قائلا : يا عم
الحاج .. يا عم الحاج .. لا اله الا الله .. الراجل مات !.
الجمعة, 27 يونيو, 2008
صيف2007








